ابن ميثم البحراني
17
شرح نهج البلاغة
وقد مضى الفوج الأوّل وبقيت أفواج وعلى اللَّه قصمها واستيصالها عن جديد الأرض . وباللَّه التوفيق . 100 - ومن خطبة له عليه السّلام انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا - الصَّادِفِينَ عَنْهَا - فَإِنَّهَا واللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ - وتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآْمِنَ - لَا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ - ولَا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ - وجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ والْوَهْنِ - فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا - لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا . رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ - واعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ - فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ - وكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآخِرَةِ - عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ - وكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ - وكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ - وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ . أقول : صدف : أعرض . وثوى بالمكان : أقام به . والفجيعة : المصيبة . والجلد : القوّة . وحاصل الفصل تزهيد الدنيا والتحذير منها فأمرهم أن ينظروا إليها نظر الزاهدين فيها المعرضين عنها أمر لهم بتركها واحتقارها إلَّا بمقدار الضرورة إلى ما تقوم به الضرورة ثمّ أردفه بذكر معايبها المنفرّة : فالأوّل : إزالتها للمقيم بها المطمئنّ إليها عمّا ركن إليه منها . الثاني : فجيعتها للمترف المتنعّم بها الَّذي خدعته بأمانيها حتّى أمن فيها بسلب ما ركن إليه وأمن عليه .